الشوكاني
259
فتح القدير
فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غيا ، فقالت طائفة من النهاة يعلمون أن هؤلاء قوم حق عليهم العذاب ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) وكانوا أشد غضبا من الطائفة الأخرى وكل قد كانوا ينهون ، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا ( لم تعظون ) والذين قالوا ( معذرة إلى ربكم ) وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه أنهم ثلاث فرق : فرقة العصاة ، وفرقة الناهون وفرقة القائلون لم تعظون ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم ، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم ، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم دورهم ، فجعلوا يقولون إن للناس لشأنا فانظروا ما شأنهم ؟ فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد ، والمرأة بعينها وإنها لقردة . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عكرمة عن ابن عباس فذكر القصة ، وفى آخرها أنه قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها . قال عكرمة : فقلت جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم ، وقالوا ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) قال فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أيضا قال : نجا الناهون وهلك الفاعلون ، ولا أدري ما صنع بالساكتين . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عنه قال : والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا ( لم تعظون قوما ) نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلي مما عدل به . وفى لفظ : من حمر النعم ، ولكن أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعا . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : قال ابن عباس : ما أدري أنجا الذين قالوا ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) أم لا ؟ قال : فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة . وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال : مسخوا حجارة الذين قالوا ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله ( بعذاب بيس ) قال : أليم وجيع . سورة الأعراف الآية ( 167 - 170 ) قوله ( وإذ تأذن ربك ) معطوف على ما قبله : أي واسألهم وقت تأذن ربك وتأذن تفعل من الإيذان ، وهو الإعلام . قال أبو علي الفارسي : آذن بالمد أعلم ، وأذن بالتشديد نادى . وقال قوم : كلاهما بمعنى أعلم كما يقال أيقن وتيقن . والمعنى في الآية : واسألهم وقت أن وقع الإعلام لهم من ربك ( ليبعثن عليهم ) قيل وفى هذا الفعل